ابن كثير
118
البداية والنهاية
الأرض كلها في طلب العلم . فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب . وقال الأوزاعي : سئل الزهري ومكحول من أفقه من لقيتما ؟ قالا : سعيد بن المسيب . وقال غيره : كان يقال له فقيه الفقهاء . وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب : كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد ، قال مالك : وبلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر وأحكامه ، وقال الربيع عن الشافعي أنه قال : إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن . وقال الإمام أحمد بن حنبل هي صحاح : قال : وسعيد بن المسيب أفضل التابعين . قال علي بن المديني : لا أعلم في التابعين أوسع علما منه ، وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به ، وهو عندي أجل التابعين . وقال أحمد بن عبد الله العجلي : كان سعيد رجلا صالحا فقيها ، كان لا يأخذ العطاء ، وكانت له بضاعة أربعمائة دينار ، وكان يتجر في الزيت ، وكان أعور . وقال أبو زرعة : كان مدنيا ثقة إماما . وقال أبو حاتم : ليس في التابعين أنبل منه ، وهو أثبتهم في أبي هريرة ، قال الواقدي : توفي في سنة الفقهاء ، وهي سنة أربع وتسعين ، عن خمس وسبعين سنة ، رحمه الله . وكان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه ، وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا ، والكلام فيما لا يعني ، ومن أكثر الناس أدبا في الحديث ، جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع ، فقال الرجل : وددت أنك لم تتعن ، فقال : إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع ، وقال برد مولاه : ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد . وقال ابن إدريس : صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة . وقال سعيد : لا تملؤا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالانكار من قلوبكم ، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة . وقال : ما يئس الشيطان من شئ إلا أتاه من قبل النساء . وقال : ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله ، ولا أهانت أنفسها إلا بمعصية الله تعالى . وقال : كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله . وقال : من استغنى بالله افتقر الناس إليه . وقال : الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أميل ، وأنذل منها من أخذها من غير وجهها ووضعها في غير سبيلها . وقال : إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه . وقال : من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله ( 1 ) : وقد زوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين لكثير ( 2 ) بن أبي وداعة - وكانت من أحسن النساء وأكثرهم أدبا وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعرفهم بحق الزوج - وكان فقيرا ، فأرسل إليه بخمسة آلاف ، وقيل : بعشرين ألفا ، وقال : استنفق هذه . وقصته في ذلك مشهورة ،
--> ( 1 ) انظر صفوة الصفوة 2 / 80 - 81 . ( 2 ) في وفيات الأعيان 2 / 376 : زوجها من أبي وداعة ، وفي طبقات ابن سعد 5 / 138 : زوجها من ابن أخيه ، وفي رواية أخرى عنده : من شاب من قريش .